سيرك الإعلام وفوضى الأولويات
علمونا في جامعات الإعلام والاتصال ومعاهد الصحافة أن الإعلام هو إخبار وإمتاع ونقل للحقائق وتحليلها. كما يفترض أن يكون الإعلام مصدرًا موثوقًا للمعلومات، وأن يقدم الأخبار المهمة بطريقة منصفة وموضوعية.
THOUGHTS ON THE MEDIA
Dhekra Ouali
8/25/20251 min read
كما تعلمنا أننا وقبل نشر أي خبر، علينا أن نطرح الأسئلة التالية: هل يؤثر هذا الحدث على حياة الناس بشكل مباشر؟ وما حجم خطورته أو فائدته على المجتمع؟ وهل يستحق أن يكون خبرًا رئيسيًا أم ثانويًا؟
ومع ذلك، لاحظنا في الآونة الأخيرة ظاهرة غريبة ومستهجنة في ساحات تضج بالصحفيين وبالإعلاميين، وأتوقف هنا لأقول أن صفة "إعلامي" يجب أن تطلق على الشخص الذي تأسس وتدرب أكاديميًا ومارس كل صنوف الإعلام بدءا من الصحافة المكتوبة إلى المسموعة والمرئية والإلكترونية وصولا إلى الإعلام الجديد من البودكاست والمدونات المكتوبة وغيرها حتى أصبح يكتسب صفة الإعلامي .
إن الظاهرة الهجينة على مجتمعاتنا والمستغربة علينا كإعلاميين مارسنا الإعلام لعقود طويلة ألخّصها في جملة واحدة وهي: "تقزيم الأخبار المهمة وتهميشها وتضخيم الأخبار التافهة الهامشية".


إن الأخبار المهمة هي الأخبار التي تؤثر على المجتمع والوطن والتي يجب أن تكون في صدارة اهتمام الإعلام، وأن يتم تقديمها بطريقة محققة وموضوعية. ومع ذلك، لاحظنا أن العديد من الأخبار المهمة يتم تقزيمها وتهميشها، بل ويتم استبدالها بأخبار تافهة لا تفيد المتلقي في شيء.
هل شاهدنا تحقيقاً عربياً حديثاً أو ملفا صحفيا معمقا وواضحا على سبيل الذكر حول ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد أو ارتفاع درجات الحرارة العالمية وإن تم تنفيذه والعمل عليه فإنه يُنشر كخبر ثانوي في زاوية صغيرة، رغم خطورته على مستقبل البشرية جمعاء.
متى آخر مرة قرأنا أو سمعنا تقاريرا أو تحقيقات عن نسب البطالة المرتفعة بين الشباب في مختلف الدول العربية أو تراجع جودة التعليم حتى وإن طرحت مثل هذه المواضيع فإنها تُختصر في دقائق قليلة، بينما هي في الحقيقة قضايا مصيرية. ومن جهة أخرى تتصدر أخبار عن خلاف بين مطربين أو تسريبات عن مسلسل رمضاني مواقع الإعلام وصفحات الجرائد، وتُطرح كأنها “قضية الساعة”، ويُفتح لها نقاش في البرامج الحوارية وصفحات الجرائد. أما أخبار مهرجانات سينمائية والتي قد تتحول في أغلب الأحيان لمهرجان للأزياء، قد تعطى مساحة إعلامية واسعة وكأنها باتت إنجازا وطنيا .
وكذلك مباراة قمة محلية أو خبر انتقال لاعب بين ناديين فإنه يغطى بتفاصيل مملة، وقد تستمر التغطية لأيام، بينما الأخبار الطبية أو الاقتصادية أو البيئية فإنها تُختصر في فقرة.
إن بث ونشر هذه الأخبار التافهة التي يتم تقديمها بطريقة مبالغ فيها يعود لجملة من الأسباب والدوافع منها الرغبة في جذب انتباه المتفرجين والمتلقين، وفي زيادة التصنيفات والربح المادي من خلال الإعلانات والحملات الترويجية المدفوعة ونقص الخبرة والتدريب لدى العاملين في الإعلام الذين قد تنقصهم القدرة على تبسيط القضايا العميقة (كالاقتصاد والعلوم) وتقديمها بشكل جذاب للجمهور.
وإذا كان الجمهور يبحث في التلفزيون، والإذاعة، والصحيفة، والمدونة ، وغيرها من وسائل الإعلام عن الخبر والمعرفة والتسلية فلا يجد ضالته، ويجد بدلا عن ذلك سيركأ من فقاقيع النجوم، وأشباه الإعلاميين، ومشاهير "الأسود والورود والتكبيس والجولات " من منصات التواصل الاجتماعي - ولا يجدر بي تسميته "إعلاماً اجتماعياً"-
فإنه لن يفقد الثقة فحسب في الإعلام بل إنه لن يلتفت إليه مجددا، وسيعزف عنه برغم النقص الشديد في المعلومات المهمة التي يحتاجها المتفرجون والمتلقون. ولا شك أن جميع ما ذكرت يلقي بظلاله على المجتمع ويخلق فراغا معرفيا وهوة إعلامية ضخمة، فمن أين سيستقي المتلقي الخبر والتوجيه والإرشاد؟ وكيف سيستلهم الكاتب والسينمائي حكايا أعماله الفنية؟ وكيف سيلتفت علماء الاجتماع لتحليل بعض الظواهر التي تبرزها تلك الحكايات والقصص الواقعية؟ وسيعمل المشرعون على سن قوانين لمعالجة والقضاء على هذه الظواهر .
إن الحل ليس في “إلغاء الترفيه”، بل في إعادة التوازن بين الأخبار التي ترفّهنا والأخبار التي تُحدد مصيرنا.
فالإعلام الجاد يمكن أن يكون ممتعًا إذا قُدّم بطريقة مبتكرة وجاذبة ، وبكل تأكيد نقول: نعم لميثاق إعلامي جديد حيث لا يكون الربح على حساب الوعي .